مذبح البخور
دراسة كتابية ولاهوتية متعمقة في مذبح البخور، من حيث موقعه وبنائه ومواده ومقاساته وطريقة خدمته والبخور المقدس، ومعنى البخور في العبادة وصلته بالصلاة، ثم امتداده اللاهوتي في المسيح والكنيسة.
أولًا: ما هو مذبح البخور؟
كان مذبح البخور أحد أثاث القدس في خيمة الاجتماع، ووُضع أمام الحجاب الذي يفصل القدس عن قدس الأقداس. وكان مخصصًا لإحراق البخور المقدس أمام الرب.
«وَتَصْنَعُ مَذْبَحًا لإِيقَادِ الْبَخُورِ. مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ تَصْنَعُهُ... وَتُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ نَقِيٍّ».
ثانيًا: موقع مذبح البخور
كان المذبح داخل القدس، أمام حجاب التابوت مباشرة. وهذا الموقع مهم جدًا لفهم وظيفته، لأنه كان أقرب أثاث القدس إلى قدس الأقداس من جهة العبادة اليومية.
«وَتَجْعَلُهُ قُدَّامَ الْحِجَابِ الَّذِي أَمَامَ تَابُوتِ الشَّهَادَةِ، قُدَّامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى الشَّهَادَةِ، حَيْثُ أَجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ».
ثالثًا: مقاسات المذبح
| العنصر | المقاس | المرجع |
|---|---|---|
| الطول | ذراع واحد | خروج 30:2 |
| العرض | ذراع واحد | خروج 30:2 |
| الارتفاع | ذراعان | خروج 30:2 |
| الشكل | مربع | خروج 30:2 |
الذراع وحدة قياس قديمة، ولذلك فإن تحويل المقاسات إلى وحدات حديثة يظل تقريبيًا.
رابعًا: مادة المذبح
صُنع مذبح البخور من خشب السنط، ثم غُطي بالكامل بالذهب النقي. وهذا يجعله مشابهًا لبعض أثاث القدس في الجمع بين الخشب والذهب.
خامسًا: قرون المذبح
كان للمذبح أربعة قرون، واحد على كل زاوية. والقرون عنصر متكرر في المذابح الكتابية، وترتبط في عدد من النصوص بالقوة واللجوء والكرامة، مع اختلاف السياق من نص إلى آخر.
«تَكُونُ قُرُونُهُ مِنْهُ».
سادسًا: إكليل الذهب
صُنع للمذبح إكليل من الذهب حوله، وهو عنصر معماري مشترك مع بعض أثاث الخيمة.
«وَتُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ نَقِيٍّ: سَطْحَهُ وَحِيطَانَهُ حَوَالَيْهِ وَقُرُونَهُ. وَتَصْنَعُ لَهُ إِكْلِيلَ ذَهَبٍ حَوَالَيْهِ».
سابعًا: النار والبخور
لم يكن الغرض من المذبح تقديم ذبائح حيوانية عليه مثل مذبح المحرقة، بل كان مخصصًا للبخور. وكانت خدمة البخور مرتبطة بالعبادة اليومية أمام الرب.
«وَيُوقِدُ عَلَيْهِ هَارُونُ بَخُورًا عَطِرًا. كُلَّ صَبَاحٍ حِينَ يُصْلِحُ السُّرُجَ يُوقِدُهُ».
ثامنًا: البخور المقدس
أعطى الرب موسى تركيبًا محددًا للبخور المقدس. وكان مخصصًا للعبادة أمام الرب، ولم يكن يجوز استخدام تركيبته المقدسة للاستعمال الشخصي.
يقدم النص مكونات البخور وتعليمات استخدامه وقداسته.
تاسعًا: البخور والصلاة
من أقوى الروابط الكتابية بين البخور والصلاة ما يظهر في سفر المزامير وسفر الرؤيا.
«لِتُقَمْ صَلاَتِي كَبَخُورٍ قُدَّامَكَ».
وهنا يستخدم داود صورة البخور للتعبير عن صعود الصلاة أمام الله كذبيحة روحية مقبولة.
عاشرًا: البخور في سفر الرؤيا
يقدم سفر الرؤيا تفسيرًا رمزيًا مباشرًا للبخور في سياق عبادة السماء، حيث ترتبط أبخرة البخور بصلوات القديسين.
«وَكَانَ لَهُمْ جَمِيعًا قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ».
«وَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ».
الحادي عشر: مذبح البخور والمسيح
لا يعلن العهد الجديد أن مذبح البخور هو صورة مباشرة للمسيح في كل تفاصيله، لكن موضوع الاقتراب من الله والشفاعة والصلاة يجد كماله في عمل المسيح الكهنوتي.
«يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ».
الثاني عشر: المسيح ورائحة القبول
يستخدم العهد الجديد لغة الرائحة الزكية في الحديث عن عمل المسيح، خصوصًا في سياق المحبة والبذل والتقدمة.
«وَأَسْلَكَ فِي الْمَحَبَّةِ، كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً».
الثالث عشر: المسيح ورئيس الكهنة
يقدم سفر العبرانيين المسيح كرئيس الكهنة الأعظم الذي دخل إلى حضرة الله لا بدم حيوان، بل بدمه هو، محققًا ما كانت الذبائح والطقوس تشير إليه بصورة مسبقة.
«وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ... دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا».
الرابع عشر: المذبح والصلاة في الكنيسة
إذا كان الكتاب يستخدم البخور صورة للصلاة، فإن الكنيسة مدعوة إلى حياة صلاة مستمرة. ليست الصلاة تكرارًا لطقس مذبح البخور، بل شركة حية مع الله من خلال المسيح.
«صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ».
الخامس عشر: ساعة البخور وزكريا
يظهر مذبح البخور في بداية إنجيل لوقا في سياق خدمة زكريا الكاهن، بينما كان الشعب خارجًا يصلي.
«فَحَسَبَ عَادَةِ الْكَهَنُوتِ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى هَيْكَلِ الرَّبِّ وَيُبَخِّرَ. وَكَانَ كُلُّ جُمْهُورِ الشَّعْبِ يُصَلُّونَ خَارِجًا وَقْتَ الْبَخُورِ».
السادس عشر: المذبح والاقتراب من الله
كان مذبح البخور موضوعًا في القدس بالقرب من الحجاب، ولذلك يرتبط موقعه بصورة قوية بفكرة الاقتراب من حضور الله. ومع ذلك، فإن الاقتراب الكامل من الله في العهد الجديد لا يعتمد على طقس أرضي، بل على عمل المسيح الكهنوتي.
«فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ... لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ».
السابع عشر: الفرق بين مذبح المحرقة ومذبح البخور
| مذبح المحرقة | مذبح البخور |
|---|---|
| في الدار الخارجية | داخل القدس |
| تقدم عليه الذبائح | يقدم عليه البخور |
| مرتبط بالدم والكفارة | مرتبط بالبخور والصلاة |
| أكبر حجمًا | أصغر حجمًا |
| من خشب السنط ومغطى بالنحاس | من خشب السنط ومغطى بالذهب |
الثامن عشر: مذبح البخور والشفاعة
الكتاب يربط البخور بالصلاة، والعهد الجديد يعلن بصورة واضحة عن شفاعة المسيح المستمرة. لذلك يمكن أن تساعد صورة مذبح البخور في فهم طبيعة الصلاة والشفاعة، دون الخلط بين الرمز وعمل المسيح الفريد.
الصلاة تصعد أمام الله، والمسيح هو الوسيط ورئيس الكهنة الذي يفتح للمؤمنين طريق الاقتراب إلى الله.
التاسع عشر: التحذير من البخور الغريب
كان الله صارمًا في تحديد طريقة استخدام البخور، وأي استعمال مخالف للأمر الإلهي كان أمرًا خطيرًا.
تروي الحادثة الخاصة بناداب وأبيهو وتقديمهما نارًا غريبة أمام الرب، وما ترتب على ذلك من دينونة.
العشرون: المسيح والوساطة الكاملة
في خيمة الاجتماع كان هناك نظام كهنوتي ومذابح وحجاب وطقوس تحدد كيفية الاقتراب من الله. أما في العهد الجديد فقد صار المسيح هو الطريق والوسيط ورئيس الكهنة الكامل.
«لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ».
النصوص الأساسية للدراسة
الخلاصة
مذبح البخور كان موضع العبادة المرتبطة بالبخور أمام الرب، وموقعه أمام الحجاب يجعله جزءًا مهمًا من صورة الاقتراب من حضور الله. ويكشف الكتاب أن البخور ارتبط بالصلاة، ثم يظهر في سفر الرؤيا بصورة رمزية واضحة مع صلوات القديسين. وفي العهد الجديد يبلغ موضوع الاقتراب والشفاعة ذروته في شخص المسيح، رئيس الكهنة والوسيط الواحد بين الله والناس.